ابن كثير
31
البداية والنهاية
وكان أعز عليه من أهله وأولاده ، وتساعدا حتى فتح الأقاليم والبلاد ، هذا بحسامه وسنانه ، وهذا بقلمه ولسانه وبيانه وقد كان الفاضل من كثرة أمواله كثير الصدقات والصلات والصيام والصلاة ، وكان يواظب كل يوم وليلة على ختمة كاملة ، مع ما يزيد عليها من نافلة ، رحيم القلب حسن السيرة ، طاهر القلب والسريرة له مدرسة بديار مصر على الشافعية والمالكية ، وأوقاف على تخليص الأسارى من يدي النصارى ، وقد اقتنى من الكتب نحوا من مائة ألف كتاب ، وهذا شئ لم يفرح به أحد من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك ، ولد في سنة ثنتين ( 1 ) وخمسمائة ، توفي يوم دخل العادل إلى قصر مصر بمدرسته فجأة يوم الثلاثاء سادس ربيع الآخر ، واحتفل الناس بجنازته ، وزار قبره في اليوم الثاني الملك العادل ، وتأسف عليه ، ثم استوزر العادل صفي الدين بن شكر ، فلما سمع الفاضل بذلك دعا الله أن لا يحييه إلى هذه الدولة لما بينهما من المنافسة ، فمات ولم ينله أحد بضيم ولا أذى ، ولا رأى في الدولة من هو أكبر منه ، وقد رثاه الشعراء بأشعار حسنة ، منها قول القاضي هبة الله بن سناء الملك : عبد الرحيم على البرية رحمة * أمنت بصحبتها حلول عقابها يا سائلي عنه وعن أسبابه * نال السماء فسله عن أسبابها وأتته خاطبة إليه وزارة * ولطال ما أعيت على خطابها وأتت سعادته إلى أبوابه * لا كالذي يسعى إلى أبوابها تعنو الملوك لوجهه بوجوهها * لا بل تساق لبابه برقابها شغل الملوك بما يزول ونفسه * مشغولة بالذكر في محرابها في الصوم والصلوات أتعب نفسه * وضمان راحته على إتعابها وتعجل الاقلاع عن لذاته * ثقة بحسن مآلها ومآبها فلتفخر الدنيا بسائس ملكها * منه ودارس علمها وكتابها صوامها قوامها علامها * عمالها بذالها وهابها والعجب أن الفاضل مع براعته ليس له قصيدة طويلة ، وإنما له ما بين البيت والبيتين في أثناء رسائله وغيرها شئ كثير جدا ، فمن ذلك قوله : سبقتم بإسداء الجميل تكرما * وما مثلكم فيمن يحدث أو يحكى وكان ظني أن أسابقكم به * ولكن بلت قبلي فهيج لي البكا وله : ولي صاحب ما خفت من جور حادث * من الدهر إلا كان لي من ورائه
--> ( 1 ) في وفيات الأعيان وشذرات الذهب : ولد في 15 جمادى الآخرة سنة 529 ه بمدينة عسقلان . ولقب بالبيساني لان أباه تولى القضاء بمدينة بيسان فلهذا نسبوا إليها . ( انظر بدائع الزهور لابن إياس 1 / 1 / 253 ) .